أبي منصور الماتريدي

62

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - الدليل الأول : قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] . ووجه الاستدلال بهذه الآية أن وَمَنْ من ألفاظ العموم لأنها اسم موصول موضوع للعموم ، وعموم الموصول بعموم صلته فيشمل كل من لم يحكم بما أنزل الله سواء أكان الحكم تصديقا أو عملا أو قضاء بين الناس ، فيدخل الفاسق لأنه لم يعمل بما أنزل الله كما دخل القاضي بغير ما أنزل الله وغير المصدق بما أنزل الله وقد ثبت لكل الكفر بمقتضى الخبر . وقد نوقش استدلالهم بثلاثة أوجه : أولا : أن هذه الآية غير محمولة على ظاهرها ؛ بل إن المراد من الحكم التصديق ، والمعنى : ومن لم يصدق بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وإذا كان هذا هو المراد بالآية فإنها لا تشمل العاصي الفاسق لأنه مصدق بما أنزل الله . والحقيقة : أن هذا الجواب ضعيف ؛ لأن سياق الآية في الحكم بمعنى القضاء لا بمعنى التصديق ، ولأن العرف في الحكم أنه بمعنى القضاء . والجواب الثاني : أن الآية غير محمولة على ظاهره ، كما قيل في الجواب الأول إلا أننا هاهنا نقول : إن معناها : أن من لم يحكم بشيء أصلا مما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وعلى هذا تكون الآية من عموم النفي لا نفي العموم . والدليل على أن الآية غير محمولة على ظاهرها أن ( ما ) صيغة عموم وقعت بعد النفي فحقها أن تكون جزئية لا كلية حسب القاعدة المشهورة من أن العام إذا وقع بعد النفي كان جزئيّا ، أي أن عمومه سلب ، ولكن خولف هذا الظاهر هنا وبقي العموم على حاله ، والمعنى : ومن لم يحكم بشيء أصلا مما أنزل الله . ولا شك أن هذا لا يشمل العاصي لأنه حاكم ببعض ما أنزل الله فلا يكون كافرا . الجواب الثالث : أن المراد بما أنزل الله هو التوراة ، ويكون المعنى ومن لم يحكم من اليهود بالتوراة التي أنزلها الله فأولئك هم الكافرون . وعلى هذا تكون الآية في حق اليهود بدليل السياق ، ونحن غير متعبدين بالحكم بالتوراة ، وهم كفار بسبب حكمهم بغير ما أنزل الله وهذا الجواب هو أصح الأجوبة الثلاثة وأقواها . الدليل الثاني : قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ النور : 55 ] . ووجه الاستدلال من هذه الآية أن ضمير الفصل ( هم ) قد حصر الخبر في المبتدأ ، وعليه فإن الفاسق يكون مقصورا على الكافر ، وعلى هذا يكون كل فاسق كافرا ، والعاصي فاسق فيكون كافرا . وقد أجيب عن هذا الدليل : بأننا لا نسلم لكم ما فهمتموه من الحصر ؛ بل إن المحصور هو الفاسق الكامل في الفسق الذي هو الكافر ، والعاصي ليس كاملا في الفسق ولو كان المراد من الآية ما فهمتموه لم تصح الآية ؛ لأن الفاسق على رأيكم محصور فيمن كفر بعد ذلك فلا يتناول من كفر ابتداء مع أنه فاسق بالإجماع . وبهذا قد ظهر أن الآية غير محمولة على ظاهرها وإلا لخرج الكافر ابتداء عن أن يكون فاسقا ، إذن يجب حمل الآية على الفاسق الكامل وهذا لا ينافي أن الكافر ابتداء فاسق . الدليل الثالث : استدل الخوارج - ثالثا - بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر فقد كفر » ووجه الاستدلال من هذا الحديث صريح في إثبات كفر تارك الصلاة . وقد أجيب عنه بأجوبة ؛ أحدها : أن المراد من ترك الصلاة مستحلا فقد كفر . الجواب الثاني : أن المراد بالكفر كفر النعمة أي سترها ولا شك أن تارك الصلاة كافر أي ساتر لنعمة الله تعالى فهو كفر بالمعنى اللغوي . -